كلنا للوطن .أي وطن؟

SmileyCentral.com

mercredi 26 février 2020

عريضة اهالي عين ابل الى البطريرك الحويك سنة ١٩٢٥

عريضة اهالي عين ابل الى البطريرك الحويك ١٩٢٥
حدود لبنان على قياس انتشار الموارنة

ان الدور الذي قام به الموارنة في تعيين الرقعة الجغرافية التي استقرت عليها دولة لبنان الكبير بحدودها المعروفة حاليا (من الناقورة جنوبا الى النهر الكبير شمالا والبقاع شرقا،) بعد دخول جيوش الحلفاء الى الشرق في نهاية الحرب العالمية عام ١٩١٩ واعلان تأسيس الدولة في ايلول ١٩٢٠ ، واقرار دستورها عام ١٩٢٦ ، انما هو حقيقة تاريخية لا يمكن لأي كان ان ينكرها.
فإذا كان قد تم تحديد رقعة لبنان على قياس الانتشار الجغرافي لأبنائه الموارنة ، فإن ذلك عائد الى عاملين اساسيين: 
- يتمثل الاول منهما برؤية البطريرك الياس الحويك الواسعة وصلابة ارادته والتأثير الروحي والوطني الذي كان يحظى به لدى المكونات اللبنانية من مختلف الطوائف والمناطق. فلأجل ذلك نال التفويض بشبه الاجماع من قبل مختلف الرموز الطائفية لكي يمثلهم في "مؤتمر السلام" الذي عقده الحلفاء المنتصرون في اعقاب الحرب العالمية الاولى في باريس ، من اجل تقرير مصير سكان تركة الدولة العثمانية .
- في هذا الاطار التاريخي تم اقتراح عدة حلول من اجل التحديد الجغرافي ل "لبنان الكبير" الذي تمت تسميته هكذا بالنسبة للبنان الصغير الذي كان يضم المتصرفيتين الشمالية بأكثريتها المسيحية والجنوبية بأكثريتها الدرزية والاسلامية. من بين تلك المقترحات كان اقتراح بإلحاق المنطقة الواقعة جنوبي نهر الليطاني إما بمنطقة فلسطين تحت الانتداب البريطاني ، اي اسرائيل المستقبلية، واما بمنطقة سوريا التي كان مصيرها موضع تنازع بين مشروعين احدهما فرنسي فدرالي واخر انكليزي- اميركي برئاسة الامير فيصل . 
في هذا الاطار كان من الاسهل على البطريرك الماروني ان يكتفي ب "لبنان صغير"، منعا لتعقيدات مستقبلية محتملة مع سائر الطوائف من دون ان نستثني منها حتى الطائفة الاورثوذكسية التي كان يميل بطريركها الى قيام دولة فيدرالية تضم كلا من الاقاليم السورية واللبنانية معا . 
- عاملان اساسيان من بين عوامل اخرى حملت البطريرك الحويك الى اختيار الحل الاصعب بضم جنوبي الليطاني الى دولة لبنان: 
١- وجود مطرانين مارونيين شقيقين من جنوبي لبنان( من بلدة بكاسين) وهما شكرالله خوري مطران ابرشية صور وعبدالله ممثل البطريرك في مؤتمر السلام المنعقد يومذاك في باريس بين الحلفاء. علما ان الاسقفين هما من جمعية الاباء المرسلين اللبنانيين، الكريميين. وكان يهمهما بدرحة اولى ان يتم الحاق جنوبي الليطاني الى دولة لبنان الكبير ، على الرغم من المخاطر المستقبلية التي كان من المحتمل ان يتعرض لها .لا سيما وانه جاء من بين المفكرين اللبنانيين ومن المسؤولين الفرنسيين ( المندوب الساني دوكيه ) من ينبه البطريرك الى خطورة ضم مدينتي بيروت وطرابلس وجنوبي الليطاني الى لبنان ، خوفا من ان يصبح الموارنة مستقبلا اقلية ديموغرافية في لبنان الكبير نظرا لاكثر من اعتبار ثقافي واقتصادي بين المكونين الرئيسيين للدولة اللبنانية العتيدة . قيل لغبطته يومذاك : "اذا بتكبر لبنان بتزغر الموارنة" .
٢- العامل الثاني الذي اسهم ، بنظرنا ، في حسم اتخاذ القرار البطريركي بشأن عدم التخلي عن منطقة جنوبي الليطاني وضرورة ضمها بالتالي الى لبنان الكبير انما هو الحاجة الى مياه هذا النهر التي لا غنى لسكان المنطقة عنها، لا سيما وان جزءا كبيرا من ابناء ابرشيتي صيدا وصور هم من سكان تلك المنطقة. لذلك ليس مستغربا على ممثل البطريرك في مؤتمر السلام المنعقد في باريس المطران عبدالله خوري وشقيقه شكرالله المتواجد هو ايضا يومذاك في فرنسا لاسباب راعوية، من ان يتمسكا بهذه الخيار الحيوي والهام بالنسبة للابرشية المارونية.
٣- عامل حاسم اخر هو ورود نبأ مجزرة عين ابل الى مسامع الاسقفين الجنوبيين فيما كانا متواجدين في باريس حيث اثارا المسألة وسعيا لجمع مساعدة عينية لكنيستها من المحسنين الفرنسيين كما يشير الى ذلك المطران عبدالله في مذكراته.علما انه كان من نتائج تلك المجزرة وقوع ٩٨ شهيدا وشهيدة معظمهم من الاطفال والنساء والشيوخ على ايدي عصابات موالية لمشروع الامير فيصل،وذلك في الخامس من ايار ١٩٢٠، وبعد عشرة ايام من انعقاد مؤتمر طائفي موالي للمشروع الفيصلي قضى بالحاق جنوب الليطاني بسوريا لا بلبنان .مؤتمر يقول بعض المؤرخين انه انتهى باصدار قرار يعترف بحكومة الامير فيصل ، الى فتوى شرعية تجيز القضاء على حلفاء الفرنسيين المنادين بالانضمام الى لبنان الكبير، بمن فيهم النساء والاطفال .
- بعد خمس سنوات من اعلان دولة لبنان الكبير في ايلول ١٩٢٠ على يد الجنرال غورو في قصر الصنوبر في بيروت وبحضور البطريرك الحويك وجمهور لبناني ودبلوماسي واسع ظل هاجس التخلي عن مشروع لبنان الكبير او تعديله لصالح سوريا او فلسطين ماثلا امام اللبنانيين ولا سيما منهم ابناء الجنوب. 
- في هذا الاطار وبتاريخ ١٣ كانون الاول ١٩٢٠، وفيما كانت تجري ثورة درزية في منطقة الجولان المحاذية لجنوب لبنان ضد الانتداب الفرنسي شعر ابناء عين ابل مرة اخرى باستمرار الخطر المهدد لخيارهم الذي اتخذوه بشأن الحاقهم بدولة لبنان الكبير ، فوجهوا رسالة الى بطريركهم مار الياس بطرس الحويك يعربون له فيها عن قلقهم ابان الاشاعات التي ترد الى مسامعهم ب "ان قسما من لبنان الجنوبي سيلحق بفلسطين فنكون نحن اول من هدده هذا الخطر " . لذلك يستنجدون بملجأهم الابوي الوحيد لانهم " لا يطيقون الانفصال عن لبنان ( الذي) تربطهم به اوثق العلاقات" ، ولأن " الاكثرية بيننا ان لم نكن كلنا من اصل بشراني وحدثي وبتروني وكسرواني وشوفي ، وقد ذقنا من عذوبة الانضمام الى اخواننا وابناء وطننا لبنان ما يشعر به ولا يعبر عنه بالكلام ". فبعد هذه السنوات الخمس التي مضت على اعلان ولادة لبنان الكبير اصبح من الصعب على ابناء الجنوب في ابرشية صور للموارنة ان " نستعيض عن حريتنا الوطنية بالاسترقاق الاسرائيلي وعن قوميتنا اللبنانية بالاستعمار الفلسطيني وعن الام الحنون الوصية فرنسا بالخالة القاسية الغير الشفوقة انكلترا ".حسب تعبيرهم.
بهذه الكلمات المؤثرة راح ابناء عين ابل- القلقون على مصيرهم ومصير لبنان الكبير الذي كان لهم شرف تقديم اكبر قافلة من الشهداء في سبيله - يلتمسون من ابيهم البطريرك ان يصغي الى صراخهم ويعمل من اجل انقاذهم والدفاع عنهم لدى كل قوة وسلطة ، ولا سيما منها المندوب السامي الفرنسي الذي يقدمون له عريضة بهذا الخصوص، طالبين من ابيهم البطريرك ان يطلع عليها لكي تحوز منه القبول والدعم قبل ان ترسل الى الجهة المختصة .
نص الرسالة هو بخط يد احد كهنة عين ابل ومن خريحي الجامعة اليسوعية في بيروت الخوري يوسف فرح الذي كان ملاحقا من قبل السلطات العثمانية بسبب مواقفه المعارضة للسلطة ، وكان من بين الاشخاص المطلوبين للمحاكمة في محكمة عاليه الشهيرة. ولما عجزت السلطة التركية عن القبض عليه قامت بشنق شقيقه بدلا عنه في ساحة كنيسة الرعية عام ١٩١٧. 

نص الوثيقة 

من ابناء عين ابل الى البطريرك الحويك 
يستنجدونه من اجل الحاق بلدتهم بلبنان لا بفلسطين
-------،

"يا صاحب الغبطة

بعد التشرف بلثم راحاتكم و استمطار وابل بركتكم الرسولية ، نعرض ان التاريخ يحفظ ذكراً مؤبداً للعمل الخطير الذي تم على يد غبطتكم بإعطاء لبنان استقلاله و ايعاد ( اعادة ) حدوده الطبيعية اليه . فقد تقدمتم للمطالبة بحقوقه و تكبدتم مرَّ الاتعاب في هذا السبيل و كلّل المولى بالفوز مساعيكم ففقتم بهذا العمل الغزاة و الفاتحين . فأحرى بلبنان أن يدعوكم بلقب منقذه بل منشىء دولته.
و قد نال ابناؤكم مسيحيو بلاد بشارة الحظ الوافر بتوسيع لبنان بأنهم انضموا الى اخوانهم و خفق فوق رؤوسهم علم الأرزة التي تفيأ بظلها اجدادهم فهللوا طرباً و غبطوا انفسهم بهذا الإحسان و دعوا لغبطتكم بالتأييد و طول الايام. ثم عانوا صابرين ما قسم لهم من المصاب في سبيل هذه المنحة و قاسوا ما يقاسيه كل شعب تحرر من عبوديته ، فضحي منهم في حوادث سنة العشرين عدد لا يهان به في سبيل حب وطنهم و قوميتهم فاشتروا بدم زكي ثمين منحة الحاقهم بلبنان لئلا يقال انها وهبت لهم رخيصة . اشترينا بدمائنا ما تاق اليه اجدادنا و ما ننشده لسنين طويلة ، و الآن اقلقتنا اشاعات تنذرنا بفقدانه . فقد كثر القيل ان قسماً من لبنان الجنوبي سيلحق بفلسطين فنكون نحن اول من يهدده هذا الخطر . ففزعنا اليكم انتم الاب و الوصي و الملجأ المحامي . الى مقامكم نرفع شكوانا وبين ايديكم نلقي دعوانا ، فإن المسيحيين هنا لا يطيقون الانفصال عن لبنان و تربطهم به اوثق العلاقات ، فإن الاكثرية بيننا إن لم نكن كلنا من اصل بشراني و حَدَثي و بتروني و كسرواني و شوفي و قد ذقنا من عذوبة الانضمام الى اخواننا و ابناء وطننا لبنان ما يُشعَر به و لا يُعَبر عنه بالكلام ، فلا يشرفنا الآن ان نستعيض عن حريتنا الوطنية بالإسترقاق الإسرائيلي و عن قوميتنا اللبنانية بالإستعمار الفلسطيني و عن الام الحنون الوصية فرنسا بالخالة القاسية الغير الشفوقة انكلترا ، و عليه نلتمس ان تعطفوا الينا و تصغوا الى صراخنا و تدافعوا عنا لدى كل قوة و سلطة بيدها الحل و العقد في مثل هذه المسائل . افتتدونا كما تعزز بكم لبنان . و فيما اننا نكرر تقبيل راحاتكم و التماس البركة نسأله تعالى ان يطيل ايام غبطتكم اعزازاً لأبنائكم . 
نقدم طيه عريضة بهذا الخصوص لفخامة المندوب السامي و لكي تحوز القبول نلتمس ان تُقدم مصحوبة بإشارة من غبطتكم عن يد معتمديكم. و طالت ايامكم . نلتمس بركة غبطتكم 

١٣ كانون الأول ١٩٢٥

Aucun commentaire: